الأب إبراهيم عياد فارس ...الكنيسة يغيب عن احتفالات أعياد الميلاد (أبونا عياد... الوطني النبيل وفارس الكنيسة)
هذا ما أطلق عليه الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات في مقدمة الكتاب الذي تناول سيرة الأب إبراهيم عياد قائلا الرئيس عرفات: أن الأب عياد ترك في مسيرة حياته الطويلة بصماته في كل مجال وميدان عمل فيه، فكان رجل الدين الجليل ورجل القانون الوقور، والإنسان التقي الوديع والوطني المناضل الثائر، والكاتب والصحفي والمفكر الذي استطاع أن يجمع بين هذه وتلك في شخصية متكاملة وفي توافق وتناغم وانسجام مجسدا روعة التآخي الاسلامي المسيحي وصلابة الوحدة الوطنية المتماسكة التي تكسرت على صخرتها كل المخططات والمؤامرات الشريرة ضد هذه الأرض التي بارك الله فيها العالمين.
وفي ظل احتفالات أعياد الميلاد المجيدة هذا العام تفتقد مدينة بيت لحم، مدينة المحبة والسلام لفارسها المناضل ولروحه المتألقة، فقد غاب عنها ورحل، فافتقدته الكنيسة والصلاة والأصدقاء وكل حارة وبيت في المدينة المقدسة ، وكما وصفه غبطة البطريرك ميشيل صباح بان الأب إبراهيم عياد جزء من آلام وآمال كل إنسان وقد رأى في قضية الشعب الفلسطيني قضية شعب يطلب حريته فأصغى الى صوت العدل والحق، وسمع صوت المظلومين وعمل من أجل خلاص الانسان الفلسطيني.
هيئة الاسرى تسلط الضوء على حياة وسيرة المناضل العالمي إبراهيم عياد في ظل احتفالات أعياد الميلاد المجيدة
الكاهن المناضل:
ولد الأب إبراهيم عياد في شهر أيلول عام 1910 في مدينة بيت ساحور في حي يسمى حي الرأس حيث كانت تنتصب (زيتونة الخضر) كما كانت تسمى باسقة في السماء، ضاربة جذورها في الأرض، كأنما تجسد صمود وثبات شعبنا الفلسطيني في وطنه وفرق ثراه الغالي عبر القرون والأجيال.
وتقلد خلال حياته مناصب عديدة في الكنيسة المسيحية منها كاهنا للرعية في رام الله، وكاهنا في كنيسة نياحة العذراء بالقدس ورئيسا للمحكمة الكنسية اللاتينية في القدس ومناصب سامية عديدة، وقد درس الحقوق واهتم بالصحافة والكتابة والسياسة.
يقول الأب عياد في مذكراته اتخذت منذ الصغر مبدأ لي يتمثل في أن حب الوطن من الإيمان، ولذا فمنذ أن كنت طالبا حرصت على هذا المبدأ فكانت أفكاري وأحاسيسي نحو الوطن تسير في خط مواز مع عقيدة الإيمان والدين لديّ، وقد تبلور أول إحساس وطني لديّ عندما عين على صفنا عريف أجنبي فاعترضت على ذلك وحرضت الطلاب على ذلك.
ويقول الأب عياد: تابعت أخبار التحركات الوطنية في فلسطين في سنوات الثلاثينات حيث تأسس العديد من الأحزاب الفلسطينية المناضلة الساعية الى تحرير فلسطين ووقف الهجرة الاستيطانية اليهودية، فاندفعت أساند ثورة 1936 والثوار وانخرطت في المقاومة وخاصة من خلال الحزب العربي الفلسطيني، حزب الحاج أمين الحسيني وجمال الحسيني رغم أنني لم انضم إليه أو الى أي حزب آخر لأنني أردت أن أكون فلسطينيا مستقلا اعمل لأجل فلسطين وشعب فلسطين دون قيود حزبية.
كان الأب عياد جزءا من الانتفاضات الفلسطينية ضد الانتداب والتهويد، يشارك بموقفه الكنسي وأفكاره الروحية أبناء شعبه في المقاومة والصمود، ويقول بهذا بصدد أن حكومة الانتداب البريطانية كانت تعامل الفلسطينيين معاملة قاسية جائرة وشرعت قانون الطوارئ الظالم ضدهم وفرضت عليهم الأحكام العرفية واتخذت ضدهم أشد أنواع العقوبات والتي كانت تصل الى حدّ الإعدام.
وشهد الأب عياد النكبة وتشرد اللاجئين والمآسي التي وقعت على أبناء شعبه، ووقف بصلابة ضد كافة المخططات التي تستهدف قضية فلسطين، وكان موقفه في مؤتمر أريحا عام 1949 موقفا يسجل له عندما ألقى كلمة أثارت زوبعة في المؤتمر مؤكدا على عروبة القدس مما عرضه لمحاكمة عسكرية بسبب رفضه ضم الضفة الغربية الى الأردن في ذلك الوقت.
ونفته سلطات الاحتلال بعد حرب 1967 الى خارج الوطن.
مع ياسر عرفات
تقلد مناصب عديدة خارج الوطن، وكانت من أهم محطاته الأساسية بيروت حيث تعززت علاقته بالرئيس أبوعمار وعيّن مستشار منظمة التحرير للعلاقات مع الفاتيكان مما كان له اثر الملموس في تبني الفاتيكان لمواقف مناصرة ومؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني بفضل الجهود التي كان يبذلها الأب عياد ، وعيّن الأب عياد عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني والمركزي وترأس اجتماعه عام 1986 كونه أكبر الأعضاء سنا وقد ألقى خطابا وطنيا مؤثرا، وشارك في مؤتمر الجزائر عام 1988 الذي أعلنت فيه وثيقة الاستقلال.
وبلغت علاقته ب م ت ف أوجها عندما عين في منصب المفوض الفلسطيني العام لدول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي وعددها 21 دولة لعب خلالها الأب عياد دورا هاما في تعزير العلاقات مع تلك التي التزمت بنصرة القضية الفلسطينية ودعم حقوق الشعب الفلسطيني ماديا ومعنويا.
وفي بيروت شهد العدوان الاسرائيلي ومجازر صبرا وشاتيلا والمقاومة الفلسطينية خلال الحصار الذي امتد 88 يوما.
مسجد الأب عياد:
جسد الأب عياد في حياته وحدة الشعب الفلسطيني مسيحييه ومسلميه حمل رسالة الوحدة الوطنية والاجتماعية الى كل بقاع الدنيا، ومن المواقف المشهورة له بهذا الصدد ما جرى معه في فنزويلا عندما وجد أن المغتربين المسلمين يعانون كثيرا لدى دفن موتاهم، فلا بيوت للموتى لديهم ولا مقبرة خاصة لدفن موتاهم ولا جامع فقامة الصلوات، فكان أن قاد الأب عياد بنفسه حملة نشطة لجمع التبرعات مجسدا بذلك التآخي المسيحي الاسلامي في أبهى صورة ووضع حجر الأساس لبناء جامع ، وأطلق عليه جامع الأب عياد.
وقال الأب عياد خلال كلمته في افتتاح الجامع ردا على كلمة إمام الجامع الذي أثنى على موقف الكاهن عاد ببناء الجامع : يا شيخنا يبدو انك لا تعرف طبيعته شعبنا الفلسطيني فهو قبل أن يكون مسيحيا أو مسلما فهو فلسطيني حتى النخاع وهذا التآخي الاسلامي المسيحي ورثاءه عن الآباء والأجداد .
الخوري الشجاع:
كانت فرحة الأب عياد لا توصف بعودته الى أرض الوطن بعد اتفاقيات اوسلو بعد فراق قسري امتد عشرات السنين.
عاد الأب عياد ضمن موكب العائدين لحضور جلسات المجلس الوطني الذي انعقد في غزة عام 1996، ورغم تقدمه بالعمر فقد احتفظ بعضويته في كل من المجلس الوطني والمجلس المركزي حيث كان من أنشط الأعضاء وأكثرهم فاعلية وحضورا ومشاركة.
وقد شارك في جميع النشاطات الوطنية الفلسطينية وهو يعتبر شخصية وطنية مؤثرة ذات نفوذ واسع، وبعد 93 عاما توفي الأب عياد، وخير شهادة بحقه ذكرها عبد الله التل قائد معركة القدس تحت عنوان الخوري الشجاع قائلا: وعاش معنا في أيام الحرب المرة راهب عربي من الطائفة اللاتينية وهو الخوري إبراهيم عياد، كان يرتدي لباس الكهنوت، إلا أن نفسه الأبية لم يتسع لها ذلك الرداء الأسود، فانطلقت نفسه لتسهم في خدمة الوطن، مازجة الدين والدنيا، فعمل معنا بشجاعة وثبات، وأدى للقدس خدمات جليلية.
في عنق الأب عياد كان يتدلى صليب ذهبي صغير مع مجسم مصغر لفلسطين، يجسد في عناقهما الدائم والرائع بان الاثنين كانا لديه، وسيظلان أمانة في عنقه، وأنه كرس حياته في سبيل الاثنين معا، الكنيسة والمجتمع، الدين والوطن.




